عبد الملك الجويني

453

نهاية المطلب في دراية المذهب

لم يختلف الأئمة في أن إطلاقَ القراض ، وتركَ التأقيت فيه موضوع المعاملة ، وأول ما نذكره أن التأقيت ليس شرطاً في هذه المعاملة ، بخلاف المساقاة ، والسبب فيه أن المقصود من أعمال المساقاة تحويه المدة ، فلا بد منها لحصول الإعلام ، والمقصود من القراض تحصيل الربح ، ولا ضبط له ، وهو في غالب الأمر يتعلق باتفاقاتٍ ، لا تنضبط ، وتوقعات لا تنحصر . هذا قولنا في أن التأقيت ليس شرطاً في القراض . ونحن نتكلم وراء ذلك ، في أن التأقيت هل يبطل القراض ؟ وقد اضطربت طرق الأصحاب ، ونحن نأتي بترتيب يجمع ويحوي الغرض . قال العراقيون : إن أقّت ربُّ المال بيعَ المقارض للسلع ، فالتأقيت فاسدٌ مفسد ، مثل أن يقول : تبيعُ العروضَ وتردها إلى الناضّ في سنة ، ولا تبعْ بعدها . هذا فاسدٌ ؛ من جهة أنه قد لا يجد للعروض زبوناً في المدة المضروبة . فإذا فرض ارتفاع القراض بالتفاسخ ، فيبقى العامل مطالباً ببيع العروض ، وتنضيضها ؛ إذ لا تتأتى المفاصلة إلا كذلك ، فلا وجه إذاً للمنع من البيع ، ولا لتأقيته . وإن ذكر التأقيت في شراء الأمتعة ، مثل أن يقول : تشتري من الأمتعة ما تراه في سنة ، فإذا انقضت ، لم تزد في الشراء وتفتتح البيعَ - من غير مدة ، ففي ذلك وجهان ذكرهما العراقيون : أصحهما - أن القراض يصح على هذا الوجه ؛ فإنه ليس في هذا التأقيت ما ينافي مقصودَ العقد ، ولا حجراً ، ينقص من البسطة المرعية . والوجه الثاني - أن القراض يفسد بالتأقيت ؛ فإن مبناه في وضع الشرع على الإطلاق ، وهذا أسنده العراقيون إلى أبي الطيب بن سلمة . ولو قال قارضتك [ سنة ] ( 1 ) ولم يتعرض لتأقيت البيع ، ولا تأقيت الشراء ، ولكن ذكر التأقيت مضافاً إلى القراض ، ففي المسألة وجهان : من أصحابنا من جعل هذا كالتصريح بتأقيت البيع ، حتى يفسد القراض . ومنهم من جعله كالتصريح بتأقيت الشراء حتى يُخرَّجَ على الوجهين المذكورين . هذا هو الترتيب الجامع في الباب .

--> ( 1 ) في الأصل : منه .